info@lubnaalbalushi.com

موسى عمر”من البدايات الحالمة إلى إرث فني خالد“

في ذكرى وداع موسى عمر

 

الفنان العُماني موسى بن عمر الزدجالي (1971 – 2023)، أحد أبرز الفنانين التشكيليين العُمانيين الذين ساهموا بفنهم بتغيير واجهة الفن التشكيلي في عُمان وإثراء العالم بإبداع لامتناهي.

 
 
 
 
 
 
 
 

في خضم حديثي السالف الذكر مع موسى عمر قبل ثلاث سنوات، شدني سؤال من الذاكرة،

 

هل ما زالت أحلام الطفولة تنمو بداخلنا؟ حكاية موسى في السطور القادمة تعطينا جواباً. ببساطة، ألا نترك أحلامنا بل نكبر معها.

 

برحيله، من يدري أين الأحلام الآن! تبقى الأحلام حيث نمضي، ربما تندب حظها للفراق وربما تقتفي أثرها للقاء. لكن موسى لم يتأن أن يذكرنا بأن نكسر مرآة الصمت أو ندع المرآة التي بداخلنا تنطق حباً وشعراً وفناً وكل شيء جميل.

 

“عندما تنتهي كل الحكايات

 

وتبقى حكاية

 

عندما تجف كل الغيمات

 

وتبقى غيمة

 

يذبل قلب في العتمة”

 

لبنى البلوشي

 
 
 

هذه فرصة أخرى لنحيا مع موسى عمر ونكون جزءًا من بداياته الحالمة ومدنه الملونة ومغامراته الفنية ونستمع لأغنياته للشمس من جديد.

 
 
 
 
 
أغنيات للشمس
 
 
 

رسم كل شيء يلوح أمام ناظريه

 

ولد موسى عمر عام 1971 في ولاية مطرح التي شهدت أيام طفولته الجميلة واهتمامه وحبه للرسم. يذكر أنه كان لدى أخيه الكبير متجر صغير في البلدة القديمة. كان موسى ينتظر دائمًا هناك لمحاولته المتكررة لرسم الرجل مع عربة الخضروات التي يمر بها يوميًا. هنالك رسم الفنان الصغير كل شيء يمكن أن تلمحه عيناه البنيتان الصغيرتان، وبذات الأثناء كانتا يداه تلتقطان أي شيء ليبحر مع الرسمات. رسم وراء رسم، ريثما تطاير الرسمات وتتناثر في الغرفة العتيقة. فوق هذا لك أن تتخيل ، كانت أصابعه دائمًا تصل إلى دفتر الديون وكان يرسم كل شبر منه. نعم كما تخيلت، من الغلاف إلى الغلاف! من الواضح أن تلك الأيام لم تنتهِ أبدًا حيث استمرت العديد من الصور اللاصقة في ملء ذهنه. وها قد مضى حيث تمضي الأحلام وأبقى لنا إرثاً فنيا خالداً.

 
 
 

الفوز بجميع المسابقات

 

بعد ذلك ، التحق موسى عمر بالمدرسة الابتدائية ووجد الشغف نفسه بالفن. كان موسى حريصًا دائمًا على حضور درس الفن الأسبوعي. أظهر له مدرس الفن نفس الاهتمام، وأهداه الألوان ودفاتر الرسم. فاز موسى دائمًا بالمسابقات الفنية واستمر في ذات التقدم طوال حياته!

 

في الوقت نفسه، منحه والده -رحمه الله- الحرية في ممارسة ومتابعة شغفه بالفن. لم يشتك أبدًا من أن ابنه كان مهتمًا بالفنون أكثر من أي شيء آخر. استمتع موسى دائمًا بالذهاب مع والده إلى متجر الكتب حيث كان له حفاوة شراء كتيبات الرسم والمزيد المزيد من الألوان.

 
 
 

المشي لمسافة 2-4 كيلومترات في اليوم

 

على الرغم من شح الموارد في تلك الفترة الزمنية؛ شجعه الجميع على تنمية موهبته. ابتداءً من عام 1990 ، انضم إلى مرسم الشباب. كان على موسى أن يسير لمسافة كيلومترين إلى أربعة كيلومترات يوميًا من الساعة 6 إلى 9 مساءً للوصول إلى هناك.

 

لاحظ مدرس الفن وجه موسى المتعرق ولباسه في اليوم الأول الذي جاء فيه. لكنه لم يقل شيئًا ورحب به للانضمام إلى المرسم وأعطاه فرشاة وبعض الألوان. ثم طلب منه أن يلتقط أي لوحة يمكن أن يجدها على الشرفة! كان موسى مندهشًا ولكن يبدو أن المدرس كان يختبر صبر موسى بقدر شغفه. ومع ذلك ، قام موسى بتخزين الأدوات في خزانة مطبخ المرسم. لكن بعد أسبوعين من عودته للانضمام إلى دورة الفن ، ذهب كل شيء! لم يتمكن من العثور على الأدوات التي كان قد خبأها!

 

” عليك أن تشتريهم جميعًا ” قال له المدرس بصرامة.

 

صمت موسى لحظة ، ثم سأله بعفوية: حسناً ، أين يمكنني شراء هذه الأشياء؟

 

“على أي حال، هذه هي آخر مرة ستفقد فيها الأدوات”، رد المدرس

 
 
 

لكن المدرس كان رجلاً طيبًا وأعطاه مجموعة جديدة!

 

مرة أخرى ، انتظر موسى بفارغ الصبر عطلة نهاية الأسبوع في المكان الذي يحبه. في هذه المرحلة ، تعلم موسى الأساسيات الفنية وتقنيات قلم الرصاص والتصوير.

 
 
 
 
 

15 معرض شخصياً وأكثر

 

من هذا المنطلق ، كان لموسى تأثير كبير في الفن التشكيلي والمعاصر في عمان ، خاصة مع إنشاء الجمعية العمانية للفنون التشكيلية في عام 1993. سافر فيما بينها إلى بلدان مختلفة لاكتشاف الفن والثقافة بعمق. لقد تعلم كيف يتغلب على الصعوبات ويمضي قدماً ، على الرغم من التحديات. فقد منحه الاعتماد على الذات القوة والتركيز. إنه ممتن للجميع ، ولا سيما والديه وزوجته و أبنائه وأصدقائه الذين هم أكبر مؤيديه. وكذلك كان شاكراً للجميع سواء أولئك الذين ظهروا كوردة أو شوكة في طريقه – كلاهما ضروريان-!

 

أقام موسى أكثر من 15 معرضًا شخصياً وتم منحه العديد من الجوائز حول العالم حيث تتواجد أعماله في ربوع عُمان وأروقة الصالونات ومتاحف الفن العالمية.

 
 
 
 
 
إلى أمي
 

لماذا الوسادة وليس أي مكان آخر؟

 

” تلك المدن لم تكن لتنشأ وتتلون لولا ذلك الإلهام الشفيف الذي صنعته أمي في داخلي. كانت أمي التي حلقت روحها نحو السماوات العليا تجمع قصاصات الجرائد التي كانت تنشر لوحاتي وتخبأها تحت وسادتي. ما زلت أتساءل، حتى هذه اللحظة ، عن سر اختيارها لهذا المكان. لماذا الوسادة وليس أي مكان آخر؟ ”

 
 
 

السعي لمقاومة الصمت

 

بإيمان صادق بحلمه ومدنه ورؤيته ، يسعى فن موسى إلى مقاومة الصمت المطبق بكل ثقله وتأثيره على الروح ، فكلها انعكاسات لمشاعرنا وحكاياتنا وأماكننا وروائحنا المخزنة في الذاكرة.وكل لوحة تنطق لتكسر صمتنا وتعطينا شرارة أمل متقدة لنكمل المسير في هذه الحياة. بالتأكيد ، يلهمه الشعر ويستمد موسى نسيج لوحات منه لأنه في الواقع مدين للشعر بتعميق رؤيته لجميع عناصر الكون ومخلوقاته. إلى جانب النقوش والرموز المنقوشة على الجدران وكذلك النقوش التقليدية على المنازل والأزياء القديمة. كل هذه العناصر تملأ سماء لوحاته مستخدمة المواد المحلية مثل الخيش وقطع من القماش الملون والتطريز البلوشي.

 
 
 
 
 
خرافة تدفن في الصمت
 
 
 

كانت يد أبي موجودة دائمًا

 

“مدني لم أكن لأبنيها كذلك لولا يد أبي.. تلك اليد الحانية التي أجدها تربت على كتفي في كل لحظة، وعند كل منعطف، وعند كل نجمة أقتطفها من السماء لأضعها في فضاء لوحتي. بعينيهما وأصابعهما شيدت ولونت كل مدني الحالمة. ” يختتم مـوسى عمـــــر ويودعنا

 
 
 

رحم الله جميع من افتقدناهم وأسكنهم جناته وتبقى جمال أرواحهم تنبض في قلوبنا.